نازل على لبنان.. شو بتوصّونا؟عبارة يتردد صداها في معظم أرجاء البيوت اللبنانيّة، حيث اعتاد أفراد الأسر على سماعها تكراراً ومراراً منذ بداية الهجرة اللبنانية وتوسع رقعة الإغتراب اللبناني الذي ما زال مستمراً وبوتيرة متصاعدة، بحيث بات يُشكل خشبة خلاص وحيدة من أجل البحث عن لقمة عيش وللهروب من واقع مرير اشتدت وطأته مؤخراً.
حتماً، هي ليست بعبارة جديدة ، وعادة ما كانت تنقسم الإجابات بين "بدنا سلامتك"، "توصل بالسلامة"، أو طلب بعض الهدايا والطلبات الخجولة كل حسب رغبته وحاجته...
ولكن الجديد في أيامنا هذه، هو التغيّر الدراماتيكي الذي طرأ على لائحة الطلبات والهدايا هذه، حيث افتقدت معظم حقائب اللبنانيين العائدين من الخارج إلى الكماليات من زجاجات العطور الفاخرة، وماركات الألبسة والأحذية العالمية، واحتلّت مكانها علب حليب الأطفال و الأدوية الأساسية وغيرها من الأشياء التي تحتاجها عائلاتهم في وطنهم الأم، أي باختصار كل ما يمكن حمله ولا يمكن شراءه هنا بسبب ارتفاع سعره أو احتكاره أو فقدانه من الأسواق والصيدليات.
فبمجرد معرفة أفراد الأسرة أو الأصدقاء بقدوم أحد معارفهم من بلاد الإغتراب، حتى تنهال عليه الإتصالات والرسائل من كل حدب وصوب طالبة منه جلب لائحة طويلة من الدواء والغذاء ، فيتحول السؤال بشكل بديهي من "شو بجبلكن هدايا؟" إلى "شو ناقصكن علب إدوية؟" أو "أي نوع حليب بدكن؟"، حتى أصبحت حقائب المغتربين هي القاسم المشترك بين جميع اللبنانيين العائدين الذي يختصر مآسي ومعاناة أهلهم في صراعهم من أجل البقاء على قيد الحياة في وطن يفتقد الحد الأدنى من مقومات العيش الآمن والكريم.
أمام هذا المشهد السيريالي، تعود بنا الذاكرة إلى سنوات الحرب الأهلية عندما كان المغتربون يزورون لبنان محمّلين بسلع وحاجات حيوية انقطعت من الأسواق والمحلات التجارية. فعلى مرّ العصور وفي أصعب الظروف والمحن، لم يتخلّ المغتربون القادمون بعد طول غياب إلى وطنهم الأم ولم يتوانوا عن مدّ يد العون ومساعدة ذويهم وأقاربهم على مواجهة الأزمات الإقتصادية والمعيشية الصعبة سواء كانت عبر التحويلات المالية المباشرة أو عبر المساعدات العينية ليكونوا اللاعب الرئيسي والداعم الأساسي لأسرهم وأقاربهم .
ومع تمادي الإنهيار ودخول لبنان في أزمة لا متناهية هي الأسوأ في تاريخه، يبقى المغتربون اللبنانيون مدماك دعم لوطنهم، وتبقى حقائبهم الحجر الذي يسند عائلاتهم ويحيي الأمل في نفوسهم.
بالأمس، كنا نأسف لهجرة شباننا وشاباتنا أرض الوطن آملين منهم العودة القريبة، واليوم أصبحنا نحسد ذويهم على هجرتهم وبات لسان حال معظم اللبنايين يردد عبارة "نيّال اللي عندو حدا عايش برّا" ، ولكن ما مصير"اللي ما عندو حدا برّا" كيف يعيش وكيف يصمد وكيف يحيا في وطن يخيم عليه شبح الموت ويتخبط بأزمات ونكسات تبدأ ولا تنتهي.
فهل لحسن الحظ أن لبنان لديه هذا الكم الهائل من المغتربين وهل تحولت لعبة الإغتراب من نقمة على اللبنانيين أم باتت نعمة عليهم؟
سوليكا علاء الدين
نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.