في كل مرة يمرر فيها شخص بطاقته الائتمانية لدفع ثمن وجبة أو حجز تذكرة طيران، تعمل في الخلفية شبكة معقدة من الرسائل والأنظمة التي تهيمن عليها شركات أميركية، وعلى رأسها فيزا وماستركارد، لعقود طويلة، بدت هذه الهيمنة أمراً مسلماً به، لكن العالم بدأ ينظر إليها اليوم باعتبارها نقطة ضعف استراتيجية.

فالعقوبات الغربية على روسيا عام 2022، والتي شملت قطع خدمات فيزا وماستركارد وحرمان بعض البنوك من نظام سويفت، كانت بمثابة جرس إنذار للدول التي أدركت أن الاعتماد على البنية التحتية المالية الأميركية قد يتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي.

ومنذ ذلك الحين، تسارعت الجهود لبناء بدائل محلية وإقليمية تمنح الدول سيطرة أكبر على أنظمة المدفوعات والبيانات المالية.

العالم يبحث عن بدائل

في أوروبا، حذر مسؤولون من إمكانية فقدان الوصول إلى البنية التحتية للمدفوعات في حال تصاعد التوترات مع واشنطن، ما دفع القارة إلى تسريع مشاريع مثل اليورو الرقمي وإطلاق محفظة "ويرو" الرقمية التي جذبت عشرات الملايين من المستخدمين.

وفي آسيا، نجحت تطبيقات محلية مثل "علي باي" في الصين و"غراب" في جنوب شرق آسيا في بناء منظومات دفع متكاملة تعتمد على الجوالات الذكية والرموز السريعة، بعيداً عن شبكات بطاقات الائتمان التقليدية، لكن النموذج الأكثر إثارة للانتباه جاء من البرازيل.

ففي نهاية عام 2020، أطلق البنك المركزي البرازيلي نظام الدفع الفوري "بيكس" بهدف بسيط، وهو تمكين أي شخص يمتلك حساباً مصرفياً من تحويل الأموال بشكل فوري وعلى مدار الساعة.

وخلال سنوات قليلة فقط، تحول Pix Payment System إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية في أكبر اقتصاد بأميركا اللاتينية، فمن شراء المثلجات على شاطئ إيبانيما إلى دفع ثمن السيارات والمنازل، أصبح "بيكس" وسيلة الدفع المفضلة لملايين البرازيليين.

ويتميز النظام بانعدام الرسوم تقريباً، فالأفراد لا يدفعون أي رسوم، بينما تتحمل الشركات رسوماً منخفضة للغاية تبلغ في المتوسط نحو 0.22% من قيمة المعاملة، مقارنة بأكثر من 1% لبطاقات الخصم وما يزيد على 2% لبعض بطاقات الائتمان.

تجربة غيرت قواعد اللعبة

لم يعد Pix مجرد وسيلة دفع محلية، بل أصبح قوة مالية هائلة، فقد ساهم في ضم أكثر من 70 مليون برازيلي إلى النظام المالي للمرة الأولى، ووصل عدد مستخدميه إلى نحو 178 مليون شخص من أصل 213 مليون نسمة تقريباً.

كما تجاوز حجم معاملاته 7 تريليونات دولار خلال العام الماضي، وأصبح يعالج يومياً معاملات تفوق إجمالي معاملات فيزا وماستركارد داخل البرازيل، وفي مطلع عام 2025، سجل "بيكس" أكثر من 224 مليون معاملة في يوم واحد.

أما في التجارة الإلكترونية، فقد استحوذ "بيكس" على 42% من المشتريات عبر الإنترنت، متجاوزاً بطاقات الائتمان للمرة الأولى، مع توقعات بمواصلة اتساع الفجوة خلال السنوات المقبلة. 

الغضب الأميركي

هذا النجاح لـ "بيكس" قوبل بهجوم حاد وتدقيق من الحكومة الأميركية، التي وجهت اتهامات للبرازيل بممارسة تجارية غير عادلة لتجاوز النظام شبكات الائتمان التقليدية (فيزا وماستركارد) وحرمانها من رسوم المعاملات، بل إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ذهبت إلى حد اقتراح فرض تعريفات جمركية إضافية بنسبة 25% على واردات البرازيل كأداة ضغط.

وشككت واشنطن أيضاً في الدور المزدوج للبنك المركزي البرازيلي كمشغل ومنظم للنظام، في حين أكد البنك أنه يعمل كمزود محايد لبنية تحتية رقمية عامة تهدف لزيادة كفاءة السوق والشمول المالي.

وتكمن المخاوف الأمريكية في أن نجاح "بيكس" قد يشجع دولاً أخرى على تطوير أنظمة دفع محلية مماثلة، وأن يؤدي مستقبلاً في حال ربطه بشبكات دفع عابرة للحدود إلى تقليص الاعتماد على الشركات الأميركية في معالجة المدفوعات الدولية، وربما الحد تدريجياً من هيمنة الدولار في بعض المعاملات التجارية.

الصمود البرازيلي

رغم التهديدات الأميركية، أظهرت البرازيل إجماعاً سياسياً على حماية ابتكارها الوطني، حيث أعلن الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أن "بيكس" إنجاز برازيلي ولن نتخلى عنه، بينما اقترح السيناتور فلافيو بولسونارو حلاً وسطاً يمنع اندماج "بيكس" مع شبكات التسوية عبر الحدود غير الغربية لتهدئة مخاوف واشنطن.

ورغم بعض المخاطر المرتبطة بعمليات الاحتيال وسرقة الجوالات، فإن السلطات البرازيلية طورت آليات للحد من الجرائم المالية وفرضت قيوداً على بعض التحويلات الليلية.

 ومع ذلك، لم تمنع هذه الثغرات 178 مليون برازيلي من الاعتماد الكامل على نظام أعاد صياغة مفهوم السيادة المالية، وأثبت أن بناء بدائل محلية للأنظمة المالية الأمريكية لم يعد فكرة مستحيلة.

وفي هذا المشهد الجديد، يبدو "بيكس" أكثر من مجرد تطبيق للدفع، إنه نموذج لعالم يسعى إلى إعادة رسم خريطة المدفوعات العالمية، حتى لو كان ذلك على حساب إمبراطورية بنتها فيزا وماستركارد على مدار سنوات.

المصادر: أرقام -  أسوشيتيد برس – رويترز – إنترناشونال بانكر -  فاينانشال تايمز - صحيفة "الإيكونومست" – بلومبرغ