الجمعة ٢٠ تموز ٢٠١٨
الإقتصاد القطري، إلى أين؟!
28-06-2018 | 21:35
الإقتصاد القطري، إلى أين؟!

شهد العالم في بداية تسعينيات القرن الماضي، تحولات دراماتيكية جذرية، أبرزها تلك التي أدّت إلى خروج القطب الشرقي من منظومة العالم، بزعامة الإتحاد السوفييتي حينذاك، من جرّاء الحرب الباردة بين عملاقي النظامين الرأسمالي والإشتراكي، إنتصر في نهايتها النظام الرأسمالي الغربي، جارفًا مع هذا الإنتصار إقتصادات العالم معولمًا إياها تحت نظامٍ إقتصاديٍ واحدٍ.
بعدها بعقدين ونيف، بدأت ملامح رحلة الخروج البريطاني من منظومة الإتحاد الأوروبي، من جرّاء حرب العملات وأسباب أخرى... .
فهل حانت بداية رحلة الخروج القطري من منظومة وحدة دول مجلس التعاون الخليجي؟ ومن جرّاء ماذا؟!

تعدّدت الأسباب لتتكشّف على جملة أزمات تنخر جسم منظومة المجتمع العربي، وتنال من قلب هذه الأمة عمومًا، لتتعدّاها إلى دول مجلس التعاون الخليجي. حيث تطرح تساؤلات عديدة حول مصير هذا الإتحاد العربي، أقلّه من الناحية الإقتصادية في لمّ شمل القُطر العربي، الذي يُطرح بديلًا عن سوقٍ عربية إقتصادية مشتركة تسهم بالحد الأدنى، في توحيد جزء من الجهود الإقتصادية أمام عتوّة الهجمة العولمية، التي يقودها الغرب المتصهين، وفي الخبايا ما يتكشّف عن مشروعها الأبرز لإرساء قواعد "الشرق الأوسط الكبير" وذوبان الوهج العربي فيه، لتتزعم إسرائيل مركزية القرار الإقتصادي وما بعده القرار السياسي.

وهنا ما يستدعي التساؤل التالي:
هل أن الأزمة الراهنة ما بين المملكة العربية السعودية وبين دولة قطر هي بسبب أن الأخيرة قدّمت وتقدّم دعمها للجماعات المتطرفة، أم أنها أزمة مزمنة بقيت في إعتبارات وفي ذاكرة تاريخ المملكة من أن قطر هي جزء من أراضيها؟
وكأن المتفحص يقرأ بداية جولة ربيعية خليجية من نوعٍ آخر، وكأن العرب ودولهم حقول تجارب يستبيحها الغرب لأغراضه الخاصة. وفي الأفق ما يلوح لجولة يُستخدم فيها سلاح أفتك مما إستخدم في جولات الربيع العربي المزعوم أمنيًا وعسكريًا، ألا وهو سلاح الإقتصاد.
دول دخلت مطواعة وأخرى أجبرت على الدخول في هذه الأزمة، لكن ما يمكن ملاحظته أنها دول منتقاة بدراسة وعناية الدارسين وعلى قواعد إقتصادية، فلكل منها ميزاتها التفاضلية في منظومة الإقتصاد.
فالمملكة العربية السعودية، تعدّ مصرفًا ومرتكزًا للتمويل المالي لبقية الأقطار؛
ودولة قطر، هي موطىء إستثماري مستقبلي خصب؛
أما دور دولة الإمارات العربية المتحدة، فهي كمحطة إستثمارية تجمع في ربوعها الشركات المتعددة الجنسيات قاطبةً؛
في حين أن جمهورية مصر العربية تشكّل خزان القوى العاملة.

وعليه، ماذا وكيف سيكون حال الإقتصاد العربي؟!
لا محال من أن الساحة الإقتصادية العربية تشهد وستشهد مزيدًا من حالات التقلقل في قطاعاتها الإقتصادية عمومًا، وفي الأسواق المالية والبورصات الخليجية خصوصًا والتي تشهد تراجعات في أسهم الشركات العاملة في دول الخليج، والذي تصاحبها التغيّرات في التوقعات للتصنيفات الإئتمانية التي تطرحها وكالات التصنيف الإئتماني والتي تطال معدلات النمو الإقتصادي من جهة، والتذبذب في تصنيف ديونها السيادية من جهةٍ أخرى. هذا إلى جانب القلق المترافق حول إتفاقية خفض الإنتاج النفطي بين دول مجلس التعاون الخليجي ومنظمة الأوبك كما والمستقلين الخارجيين عنها.
أما وفي السياحة العربية، والتي بلا ريب من أنها تشهد تذبذبات في بياناتها الحسابية لناحية إيراداتها، لتضرب كل التوقعات لعائدات هذا القطاع، في دول الخليج العربي والجوار الإقليمي بحيث تشهد شركات السفر والطيران إنخفاضًا في أرباحها.
وماذا عن حركة قطاع النقل التجاري حيث الحديث يدور وبلا حرجٍ لما يشهده من تراجعات في ميازين التبادلات التجارية خاصةً للسلع الغذائية والإستهلاكية، وما يصحبها من إرتفاعات ملحوظة في معدلات التضخم والتغيرات السعرية. وهذا ما أوصل الحال إلى بروز المخاطر الإقتصادية والمالية، وبالتالي من فقدان عنصر السيولة من العديد من الأسواق.
وعلى ما يبدو، فإن دولة قطر ومن جراء عزلتها الخليجية وكأنها ستخرج من السرب الخليجي -إذا صح التعبير- والتي تظهر من خلال وقف معظم الدول التعاملات مع البنوك القطرية، والذي إنعكس في هبوط سعر الريال القطري... .

وماذا بعد؟
ألم يقرأ العرب "معجزة دول شرق آسيا" وما أرسته من سياسات عامة ودروس في النمو الإقتصادي بعد خروجها من سلسلة من الحروب الإقتصادية التي أذوت إقتصاداتها، فعادت ونهضت مستلهمة الدروس والعِبَر منها؟!
وعلى ما يبدو أيضًا، فإن النظام الرأسمالي الغربي لا تروق له نظم الإتحادات، خصوصًا تلك التي تحمل معها وصفاتٍ ذات طابع إقتصادي، لتشكّل له عائقًا أمام حركية شركاته عابرة الحدود والساعية إلى فرض حضورها على الساحة الإقتصادية العالمية وما تحمله من عناوين مضللة لمضامينها، بحيث تسعى إلى وضع اليد على القطاعات الإقتصادية وعلى أنشطتها الإستثمارية وقراراتها، لتتركّز معها قوة القرارات السياسية في الدول النامية وذات الإقتصادات الناشئة.

*د. وليد أبو خير
باحث إقتصادي، وخبير في قانون المحاسبة لدى المحاكم التجارية.

الأفكار تعبّر عن رأي كاتبها



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2018 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة